يعود الحديث مجددا عن مشروع الربط القاري بين المغرب وإسبانيا، وهو حلم ظل يراود صناع القرار والباحثين في البلدين منذ عقود، ليأخذ اليوم مسارا أكثر جدية مع إطلاق دراسات تقنية جديدة لتحديد جدوى المشروع وتفاصيله الهندسية.
يمثل مشروع النفق البحري الذي سيربط مدينة طنجة المغربية بمدينة طريفة الإسبانية خطوة عملاقة نحو تعزيز الروابط التجارية والإنسانية بين شمال إفريقيا وأوروبا. فبالإضافة إلى كونه سيكرس موقع المغرب كبوابة رئيسية لأوروبا، فإنه سيسهم في تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين، خصوصًا في مجالات النقل والتجارة والاستثمارات المشتركة.
ومن المتوقع أن تصل تكلفة المشروع إلى 15 مليار يورو، وهو رقم يعكس تعقيداته الهندسية وضخامة بنيته التحتية، حيث سيتم إنجاز النفق على عمق 300 متر تحت سطح البحر بطول 28 كيلومترا، ما يجعله أحد أكبر المشاريع الهندسية الطموحة عالميا.
تتطلب مثل هذه المشاريع الضخمة تحالفات مالية وتقنية قوية، خاصة أن الدراسات السابقة أظهرت تحديات تتعلق بالجيولوجيا البحرية والتيارات المائية القوية في مضيق جبل طارق. كما أن التمويل قد يكون إحدى العقبات الرئيسية، ما يستدعي مساهمات أوروبية ومغربية إلى جانب مستثمرين دوليين.
وفي هذا السياق، تعمل الشركة المغربية “الشركة الوطنية لدراسات مضيق جبل طارق” ونظيرتها الإسبانية SECEGSA على تقييم الجوانب الفنية والاستراتيجية للمشروع، كما أن الاجتماعات الثنائية، مثل اللقاء الذي جمع وزير التجهيز نزار بركة ونظيره الإسباني أوسكار بوينت في مارس 2024، تؤكد الرغبة السياسية في تسريع التنفيذ.
لا يمكن فصل مشروع النفق البحري عن مسار العلاقات المغربية الإسبانية، التي شهدت خلال السنوات الأخيرة تحولات إيجابية، خاصة بعد دعم مدريد لمبادرة الحكم الذاتي للصحراء المغربية. ويعكس التعاون في هذا المشروع الاستراتيجي إدراك البلدين لأهمية التكامل الاقتصادي واللوجستي في ظل التحديات العالمية.
رغم التفاؤل الكبير، فإن المشروع يتطلب وقتا طويلا لإنجازه، حيث تشير التقديرات إلى إمكانية اكتماله بحلول عام 2040. وبينما يتابع المراقبون تطور الدراسات التقنية، يبقى نجاح هذا المشروع مرهونا بتأمين التمويل وتجاوز العوائق الجيولوجية والبيئية.
إذا تحقق هذا المشروع، فسيكون نقطة تحول في العلاقات المغربية الإسبانية، وسيسهم في تعزيز مكانة المغرب كمحور استراتيجي بين إفريقيا وأوروبا، ومع ذلك، فإن نجاحه يعتمد على الإرادة السياسية، والقدرة على تذليل التحديات اللوجستية والتمويلية، فهل سيكون هذا النفق جسرًا حقيقيًا نحو مستقبل اقتصادي أكثر ترابطا بين ضفتي المتوسط؟