في خطوة جديدة تزيد من حدة التوتر بين المملكة المغربية والجزائر، أعلنت السلطات الجزائرية طرد مدير القنصلية المغربية، متذرعة بـ”تصرفات مشبوهة” منسوبة إليه، دون تقديم أي تفاصيل أو أدلة واضحة تدعم هذا الادعاء، قرار مفاجئ، لكنه ليس غريبا في ظل القطيعة السياسية القائمة بين البلدين منذ سنوات، والتي تتغذى على أزمات متتالية تجعل كل خطوة دبلوماسية، مهما كانت صغيرة، وقودا جديدا للصراع.
يستند القرار الجزائري إلى المادة 23 من اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية، التي تمنح الدولة المستقبلة الحق في إعلان أي دبلوماسي “شخصا غير مرغوب فيه” دون الحاجة إلى تبرير علني، قانونيا، لا غبار على هذا الإجراء، لكن في العلاقات الدولية، ليس كل ما هو قانوني يكون بالضرورة مشروعا من حيث النوايا والسياق.
غياب التوضيحات يجعل المسألة تبدو أقرب إلى تصعيد سياسي أكثر من كونها مجرد إجراء إداري، فالاتهام العام بـ”تصرفات مشبوهة” دون أدلة، يفتح الباب أمام التكهنات حول الدوافع الحقيقية لهذا القرار، وهل هو مرتبط بموقف مغربي معين، أم أنه مجرد رد فعل جزائري تقليدي على استمرار الرباط في نهج دبلوماسي يتناقض مع حسابات قصر المرادية.
منذ قطع الجزائر علاقاتها مع المغرب في 2021، لم تترك أي نافذة للحوار مفتوحة، بل ذهبت أبعد من ذلك بإغلاق المجال الجوي أمام الطائرات المغربية، ووقف تصدير الغاز عبر الأنبوب المار من المملكة، في خطوات توحي بأن التصعيد ليس مجرد رد فعل، بل سياسة ممنهجة تهدف إلى عزل المغرب إقليميا.
على الجانب الآخر، اختار المغرب سياسة “اليد الممدودة”، حيث شدد الملك محمد السادس في أكثر من خطاب على أن الرباط لا تريد تأجيج الصراع، بل تسعى إلى تجاوز الخلافات، غير أن الجزائر لم تلتقط الإشارة، ما يجعل أي حديث عن انفراجة في العلاقات أقرب إلى الوهم منه إلى الواقع.
قرار الطرد هذا لن يكون الأخير في مشهد متأزم تحكمه الحسابات السياسية أكثر من الأعراف الدبلوماسية، والمثير في الأمر أن هذه التوترات تأتي في وقت تعيش فيه المنطقة تحديات أمنية واقتصادية تستوجب مزيدا من التعاون، لا القطيعة، لكن، وكما هو واضح، لا تزال الأيديولوجيا والصراعات القديمة هي التي تحرك المشهد، ولو على حساب المصالح الاستراتيجية لشعبي البلدين.
في النهاية، قد يكون قرار الجزائر قانونيا من حيث الشكل، لكنه سياسي بامتياز من حيث الجوهر، والمغرب، الذي بات معتادا على مثل هذه التصرفات، لن يجد نفسه مضطرا للرد بالمثل، لكنه بلا شك سيتعامل مع الأمر بنفس الاستراتيجية التي يتبعها منذ سنوات: الهدوء في مواجهة التصعيد، وانتظار أن تستفيق الجزائر يوما ما من وهم الصراع الأبدي.